الشيخ داود الأنطاكي
171
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
الباب الثالث : في أحوال بدن الإنسان قد ثبت عن الحكيم تعالى وتقدس بطريقي العقل والنقل ، أن هذا الوجود ليس مقصوداً بالذات ، وليس فيه لفرد من الافراد بقاء كلي ، بل إلى غاية مخصوصة ومدة مخصوصة قضى عليها فيها قبل وجود ما يصدر عنه من الأفعال وما له من الأطوار والحالات ، قضاء حتماً وقولًا فصلًا ، حقاً من صانع مختار قصرت العقول عن كنه افعاله فضلًا عن تصور ذاته . وتلك الغايات والمدد بالضرورة مفتقرة في كمال نظامها إلى ما أبدع من هذا الاجتماع المحتاج فيه إلى التركيب غير المأمون اختلاله ؛ لاختلاف اجزائه وموجبات تغيره ، فأكمل مراده بوضع قانون مفيد لاصلاح ما يختل من هذا التركيب إلى انقضاء زمن الفناء والمصير إلى البقاء الأبدي ، وهذا القانون شامل لما يتعلق بالسياسات وتدبير كل فرد من افراد المواليد بطريق مخصوص ، وقد مر سابقاً في تقاسيم العلوم . ثم عرفت هناك ، أن العالم بهذه الأشياء والمقصود في وجودها بالذات هو الانسان ، وأنا جعلناه قانوناً يقاس عليه فلنستمر على ما شرطنا فنقول : لا شك في نفي العبث عن افعال القادر المختار ، وقد أوجدنا بالضرورة فلا بد وأن يكون لمصلحة عائدة إلينا ؛ لاستغنائه على الاطلاق ، وقد ثبت تأجيلها فتوقف الوصول إليها على مقدمات بديهية قطعاً ، وتلك المقدمات هي تحصيل المعايش بالصنائع والحرف والعلوم ، وذلك متوقف على صحة اجزاء البدن والعقل لاكتساب ذلك بها . فاذاً لكل جزء فعل وقوة بها يتم فعله ، فاما أن تجري تلك القوى والأفعال كلها على المجرى الصحيح والوجه